ضياء الدين نصر الله بن محمد ابن الأثير الجزري الموصلي ( ابن الأثير الموصلي )
197
المثل السائر في أدب الكاتب والشاعر
فقال هشام : ولم ذلك ؟ قال : إنّه قد رام منّي خطّة * لم يرمها قبله منّي أحد قال : ما هي ؟ قال : راح جهلا بي وجهلا بأبي * يدخل الأفعى على حبس الأسد قال : فضحك هشام ، وقال : لو فعلت به شيئا لم أنكره عليك . ومن ألطف ما سمعته في هذا الباب قول أبي نواس في الهجاء : إذا ما كنت جار أبي حسين * فنم ويداك في طرف السّلاح فإنّ له نساء سارقات * - إذا ما بتن أطراف - الرّماح سرقن وقد نزلت عليه أيري * فلم أظفر به حتّى الصّباح فجاء وقد تخدّش جانباه * يئنّ إليّ من ألم الجراح فتعبيره عن العضو المشار إليه بأطراف الرماح تعبير في غاية اللطافة والحسن . وقد أدخل في باب الكناية ما ليس منه ، كقول نصيب : فعاجوا فأثنوا بالّذي أنت أهله * ولو سكتوا أثنت عليك الحقائب وهذا يروى عن الجاحظ ، وما أعلم كيف ذهب عليه مع شهرته بالمعرفة بفن الفصاحة والبلاغة ؛ فإن الكناية هي ما جاز حمله على جانب الحقيقة كما يجوز حمله على جانب المجاز ، وهاهنا لا يصح ذلك ، ولا يستقيم ؛ لأن الثناء للحقائب لا يكون إلا مجازا ، وهذا من باب التشبيه المضمر الأداة الخارج عن الكناية ، والمراد به أن في الحقائب من عطاياك ما يعرب عن الثناء لو سكت أصحابها عنه « 1 » . وأما القسم المختص بما يقبح ذكره من الكناية ، فإنه لا يحسن استعماله ؛ لأنه عيب في الكلام فاحش ، وذلك لعدم الفائدة المرادة من الكناية فيه .
--> ( 1 ) في البيت على هذا التفسير استعارة مكنية أو مجاز عقليّ .